فصل: قال الشعراوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال السمرقندي:

{رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف} يعني: بأن يجالسوا النساء بالمدينة.
يقال: الخوالف هم خساس الناس ودناتهم، يقال: خالف أهله، إذا كان دونهم.
{وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} التوحيد، ويقال: لا يعلمون ثواب الخروج إلى الجهاد. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: مع المنافقين، قاله مقاتل.
والثاني: أنهم خساس الناس وأدناهم مأخوذ من قولهم فلان خالفه أهله إذا كان دونهم، قاله ابن قتيبة.
والثالث: أنهم النساء، قاله قتادة والكلبي. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} الآية.
تقريع وإظهار شنعة كما يقال على وجه التعيير رضيت يا فلان، و{الخوالف} النساء جمع خالفة، هذا قول جمهور المفسرين، وقال أبو جعفر النحاس يقال للرجل الذي لا خير فيه خالفة، فهذا جمعه بحسب اللفظ والمراد أخسة الناس وأخالفهم، وقال النضر بن شميل في كتاب النقاش: {الخوالف} من لا خير فيه، وقالت فرقة {الخوالف} جمع خالف فهو جار مجرى فوارس ونواكس وهوالك، {وطبع} في هذه الآية مستعار، ولما كان الطبع على الصوان والكتاب مانعًا منه وحفاظًا عليه شبه القلب الذي قد غشيه الكفر والضلال حتى منع الإيمان والهدى منه بالصوان المطبوع عليه، ومن هذا استعارة القفل والكنان للقلب، و{لا يفقهون} معناه لا يفهمون. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

وفي {الخوالف} قولان:
أحدهما: أنهم النساء، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وشمر بن عطية، وابن زيد، والفراء.
وقال أبو عبيدة: يجوز أن تكون الخوالف هاهنا النساء، ولا يكادون يجمعون الرجال على تقدير فواعل، غير أنهم قد قالوا: فارس، والجميع: فوارس، وهالك في قوم هوالك.
قال ابن الأنباري: الخوالف لا يقع إلا على النساء، إذ العرب تجمع فاعلة: فواعل، فيقولون: ضاربة، وضوارب، وشاتمة، وشواتم؛ ولا يجمعون فاعلًا: فواعل، إلا في حرفين: فوارس، وهوالك؛ فيجوز أن يكون مع الخوالف: المتخلفات في المنازل.
ويجوز أن يكون: مع المخالفات العاصيات.
ويجوز أن يكون: مع النساء العجزة اللاتي لا مدافعة عندهن.
والقول الثاني: أن الخوالف خساس الناس وأدنياؤهم، يقال: فلان خالفة أهله: إذا كان دونهم، ذكره ابن قتيبة؛ فأما {طَبَع} فقال أبو عبيدة: معناه: ختم. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف}
{الخوالف} جمع خالفة؛ أي مع النساء والصبيان وأصحاب الأعذار من الرجال.
وقد يُقال للرجل: خالفة وخالف أيضًا إذا كان غير نجيب؛ على ما تقدّم.
يُقال: فلان خالفة أهله إذا كان دونهم.
قال النحاس: وأصله من خَلَف اللبنُ يخلف إذا حَمُض من طول مكثه.
وخَلَف فمُ الصائم إذا تغيّر ريحه؛ ومنه فلان خَلَف سوء؛ إلاَّ أن فواعل جمع فاعلة.
ولا يجمع: فاعل صفة على فواعل إلاَّ في الشعر؛ إلاَّ في حرفين، وهما فارس وهالك. اهـ.

.قال الخازن:

{رضوا بأن يكونوا مع الخوالف}
قيل: الخوالف النساء اللواتي يتخلفن في البيوت فلا يخرجن منها، والمعنى رضوا بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد كالنساء وقيل: خوالف جمع خالفة وهم أدنياء الناس وسفلتهم يقال فلان خالفة قومه إذا كان دونهم {وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} يعني: وختم على قلوب هؤلاء المنافقين فهم لا يفقهون مراد الله في الأمر بالجهاد. اهـ.

.قال أبو حيان:

وفي قوله: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف}، تهجين لهم، ومبالغة في الذم.
والخوالف: النساء قاله: الجمهور كابن عباس، ومجاهد وقتادة، وشمر بن عطية، وابن زيد، والفراء، وذلك أبلغ في الذم كما قال:
وما أدري وسوف إخال أدري ** أقوم آل حصن أم نساء

فإن تكن النساء مخبآت ** فحق لكل محصنة هداء

وقال آخر:
كتب القتل والقتال علينا ** وعلى الغانيات جر الذيول

فكونهم رضوا بأنْ يكونوا قاعدين مع النساء في المدينة أبلغ ذم لهم وتهجين، لأنهم نزلوا أنفسهم منزلة النساء العجزة اللواتي لا مدافعة عندهنّ ولا غنى.
وقال النضر بن شميل: الخوالف من لا خير فيه.
وقال النحاس: يقال للرجل الذي لا خير فيه خالفة، وهذا جمعه بحسب اللفظ، والمراد أخساء الناس وأخلافهم.
وقالت فرقة: الخوالف جمع خالف، فهو جار مجرى فوارس ونواكس وهوالك، والظاهر أن قوله: وطبع خبر من الله بما فعل بهم.
وقيل: هو استفهام أي: أو طبع على قلوبهم، فلأجل الطبع لا يفقهون ولا يتدبرون ولا يتفهمون ما في الجهاد من الفوز والسعادة، وما في التخلف من الشقاء والضلال. اهـ.

.قال أبو السعود:

{رَضُواْ} استئنافٌ لبيان سوءِ صنيعِهم وعدمِ امتثالِهم لكلا الأمرين وإن لم يرُدّوا الأول صريحًا {بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف} مع النساء اللاتي شأنُهن القعودُ ولزومُ البيوتِ، جمعُ خالفةٍ وقيل: الخالفةُ من لا خير فيه {وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ} بسبب ذلك {لاَّ يَفْقَهُونَ} ما في الإيمان بالله وطاعتِه في أوامره ونواهيه واتباعِ رسولِه عليه السلام والجهادِ من السعادة وما في أضداد ذلك من الشقاوة. اهـ.

.قال الألوسي:

{رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} أي النساء كما روي عن ابن عباس وقتادة وهو جمع خالفة وأطلق على المرأة لتخلفها عن أعمال الرجال كالجهاد وغيره، والمراد ذمهم والحاقهم بالنساء في التخلف عن اجلهاد، ويطلق الخالفة على من لا خير فيه، والتار فيه للنقل للاسمية، وحمل بعضهم الآية على ذلك فالمقصود حينئذ من لا فائدة فيه للجهاد وجمعه على فواعل على الأول ظاهر وأما على الثاني فلتأنيث لفظه لأن فاعلا لا يجمع على فواعل في العقلاء الذكور إلا شذوذًا {وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ} بسبب ذلك {لاَّ يَفْقَهُونَ} ما ينفعهم وما يضرهم في الدارين. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87)} استئناف قصد منه التعجيب من دناءة نفوسهم وقلّة رجلتهم بأنّهم رضوا لأنفسهم بأن يكونوا تبعًا للنساء.
وفي اختيار فعل {رضوا} إشعار بأنّ ما تلبسوا به من الحال من شأنه أن يتردّد العاقل في قبوله كما تقدّم في قوله تعالى: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} [التوبة: 38] وقوله: {إنكم رضيتم بالقعود أول مرة} [التوبة: 83].
والخوالف: جمع خالفة وهي المرأة التي تتخلّف في البيت بعد سفر زوجها فإن سافرت معه فهي الظعينة، أي رضوا بالبقاء مع النساء.
والطبع تمثيل لحال قلوبهم في عدم قبول الهدى بالإناء أو الكتاب المختوم.
والطبع مرادف الختم.
وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم} في سورة البقرة (7).
وأسند الطبع إلى المجهول إمّا للعلم بفاعله وهو الله، وإمّا للإشارة إلى أنّهم خلقوا كذلك وجبلوا عليه وفرع على الطبع انعدام علمهم بالأمور التي يختصّ بعلمها أهل الأفهام، وهو العلم المعبّر عنه بالفقه، أي إدراك الأشياء الخفيّة، أي فآثروا نعمة الدعة على سُمعة الشجاعة وعلى ثواب الجهاد إذ لم يدركوا إلاّ المحسوسات فلذلك لم يكونوا فاقهين وذلك أصل جميع المَضار في الداريْن.
وجيء في إسناد نفي الفقاهة عنهم بالمسند الفعلي للدلالة على تقوّي الخبر وتحقيق نسبته إلى المخبر عنهم وتمكّنه منهم. اهـ.

.قال الشعراوي:

{رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87)}
و{الخوالف} ليست جمع خَالِف ولكنها جمع خالفة؛ لأن خَالف: لا تجمع على فواعل، وإنما خالفه هي التي تُجمَعُ على فواعل، وهم قد ارتضوا لأنفسهم أن يطبق عليهم الحكم الذي يُطبق على النساء.
ولذلك كانوا {لاَ يَفْقَهُونَ} لأنهم ارتضوا لأنفسهم وصفًا لا يليق بالرجال وفرحوا بهذا الوصف دون أن ينتبهوا لما فيه من إهانة لهم؛ لأنهم يهربون من القتال كما تهرب النساء. والمنافق- كما قلنا- له ملكتان: ملكية قولية، وملكة قلبية. فقول المنافق إعلان بالإيمان، أما قلبه فهو ممتلئ بالكفر؛ وفي هذه الحالة تتضارب ملكاته.
والله سبحانه وتعالى يوضح لهم: سوف نعاملكم في الدنيا بظاهر كلامكم، ونعاملكم في الآخرة بباطن قلوبكم، وسوف نطبع على هذه القلوب؛ فلا يخرج منها كفر، ولا يدخل إليها إيمان، ولذلك قال الحق سبحانه هنا {وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ}.
وقد قال الحق سبحانه: {خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ...} [البقرة: 7] وقال سبحانه: {وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ...} [التوبة: 93].
ومادام الكافر قد أعجبه كفر قلبه؛ فالحق سبحانه يختم على قلبه، بحيث لا يخرج ما فيه من كفر، ولا يدخل إلى قلبه؛ ما هو خارجه من إيمان، تمامًا كما تختم الشيء بالشمع الأحمر؛ فيظل ما في داخله كما هو، وما في خارجه كما هو. ويطبع الله على قلبه؛ فيمنع ما فيه من الكفر أن يخرج، ويمنع ما في خارجه من الإيمان أن يدخل إليه.
ويقول الحق سبحانه وتعالى: {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} والفقه هو الفهم، أي: لا يفهمون ما حُرِموا منه من ثواب ونعيم الآخرة؛ لأنهم قد فرحوا بتخلفهم عن الجهاد، وهم يحسبون أن هذا خيرًا لهم ولكنه شر لهم.
ثم يريد الحق سبحانه أن يضع الطمأنينة في نفوس المؤمنين، ويطلب منهم ألا يفزعوا؛ لتخلف هؤلاء القادرين عن القتال رغم أنهم أصحاب الطَّوْل الذين يملكون الأموال والأولاد. اهـ.

.قال الشوكاني في الآيات السابقة:

{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}
قوله: {مَّاتَ} صفة لأحد، و{أَبَدًا} ظرف لتأييد النفي.
قال الزجاج: معنى قوله: {وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ} أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دفن الميت وقف على قبره، ودعا له، فمنع هاهنا منه؛ وقيل: معناه: لا تقم بمهمات إصلاح قبره، وجملة: {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ} تعليل للنهي.
وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر؛ لأن الكافر قد يكون عدلًا في دينه، والكذب، والنفاق، والخداع، والجبن، والخبث، مستقبحة في كل دين.
ثم نهى رسوله عن أن تعجبه أموالهم وأولادهم.
وهو تكرير لما سبق في هذه السورة وتقرير لمضمونه؛ وقيل: إن الآية المتقدّمة في قوم، وهذه في آخرين.
وقيل: هذه في اليهود، والأولى: في المنافقين.
وقيل: غير ذلك.
وقد تقدّم في الآية الأولى جميع ما يحتاج إليه في تفسير هذه الآية.
ثم عاد الله سبحانه إلى توبيخ المنافقين، فقال: {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ} أي: من القرآن، ويجوز أن يراد بعض السورة، وأن يراد تمامها؛ وقيل: هي هذه السورة: أي سورة براءة، وأن في {أَنْ آمِنُواْ بالله} مفسرة لما في الإنزال من معنى القول، أو مصدرية حذف منها الجارّ: أي: بأن آمنوا، وإنما قدّم الأمر بالإيمان، لأن الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان: {استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ} أي: ذوو الفضل والسعة، من طال عليه طولًا، كذا قال ابن عباس والحسن، وقال الأصمّ: الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، وخصهم بالذكر لأن الذم لهم ألزم، إذ لا عذر لهم في القعود {وَقَالُواْ ذَرْنَا} أي اتركنا {نَكُنْ مَّعَ القاعدين} أي: المتخلفين عن الغزو من المعذورين، كالضعفاء والزمنى، والخوالف: النساء اللاتي يخلفن الرجال في القعود في البيوت.